إحياءً لذكرى ضحايا الحادي عشر من سبتمبر: التزام عالمي بجعل الطيران أكثر أماناً
توشيوكي أونوما، رئيس مجلس الإيكاو
خوان كارلوس سالاسار، الأمين العام الإيكاو
يتعين علينا إحياء ذكرى ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر — أولئك الأبرياء البالغ عددهم 779,2 شخصاً ممن لقوا حتفهم في ذلك اليوم، وآخرين بأعداد هائلة ممن عانوا آنذاك وما زالوا يعانون إلى اليوم بصورة تعجز الكلمات عن وصفها — وذلك بالعمل على ضمان ألا يتكرر وقوع شيء من هذا القبيل أبداً. وكان ذلك هو ما اعتزمته الإيكاو في أعقاب ذلك اليوم المأساوي مباشرةً، ولا يزال الالتزام يحظى اليوم بنفس القوة والأهمية التي كان عليها آنذاك.
كشفت هجمات 11 سبتمبر 1002 عن تحول ملموس على ساحة التهديدات العالمية كان على أوساط أمن الطيران أن تتصدى له على وجه السرعة. فقد صيغت المعاهدات الحالية، بما في ذلك اتفاقيات طوكيو ولاهاي ومونتريال، للتخفيف من المخاطر التي تنشأ عن أحداث أمنية من قبيل اختطاف الطائرات والتخريب. وفي غضون أسبوعين من وقوع الهجمات، اجتمعت 961 دولةً في مقر الإيكاو بمونتريال واعتمدت بالإجماع قراراً للجمعية العمومية يُدين استخدام الطائرات كأسلحة ويتعهد بالتعاون الدولي العاجل لمنع وقوع أعمال إرهابية ضد الطيران المدني في المستقبل.
وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى وضع واعتماد معاهدتين جديدتين وهما: اتفاقية وبروتوكول بيجين لعام 0102. وقد جرّمت هاتان الوثيقتان أشكالاً جديدة من الهجمات، وتناولتا التهديدات البيولوجية والكيميائية، واستهدفتا الجهات المنظّمة والمموّلة. كما عملت الوثيقتان على تحسين آليات التعاون عبر الحدود والتحقيق وتسليم المجرمين، وتناولت المؤشرات المبكرة لمَواطن الضعف الإلكتروني.
كما قامت الإيكاو ودولها الأعضاء بتعديل الإطار الفني والتنظيمي الذي تنظمه اتفاقية شيكاغو لعام 4491 وملاحقها.
وكانت هناك خطة أمنية عالمية جديدة حددت الأولويات الاستراتيجية لمساعدة الدول الأعضاء على تنظيم جهودها والتوفيق بينها من أجل تعزيز أمن الطيران في جميع أنحاء العالم، وتم إطلاق برنامج الإيكاو العالمي لتدقيق أمن الطيران لرصد تنفيذ هذه الأولويات وتقديم المساعدة عند الحاجة.
ولا تكون المعاهدات الدولية والقواعد الفنية ذات فائدة إلا بقدر فعالية تنفيذها من قبل الدول. وفي حين حظيت المعاهدات التي أُبرمت في سبعينيات القرن الماضي بالتصديق عليها من كافة دول العالم تقريباً، فإن اتفاقية وبروتوكول بيجين لم يصدق عليها، مع الأسف، سوى أقل من ثلث الدول الأعضاء في الإيكاو. ويُعد الالتزام الواسع النطاق بهذه المعاهدات الجديدة أمراً بالغ الأهمية لضمان مواكبة الأُطر القانونية للمخاطر المتغيرة، وهو ما يمثل بالتالي محوراً رئيسياً لجهود الدعوة التي تبذلها الإيكاو.
وقد عملت هيئات الأمم المتحدة الأخرى المتخصصة في مكافحة الإرهاب والجريمة على إضافة أمن الطيران إلى الآليات العامة الشاملة لمكافحة الإرهاب. وتشمل تلك الآليات قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والتي تدعو الدول إلى التعاون مع الإيكاو لتأمين مطاراتها ورحلاتها الجوية، وتُلزم الدول بجمع واستخدام المعلومات المسبقة عن الركاب وبيانات سجل أسماء الركاب للكشف عن المقاتلين الإرهابيين وإحباط سفرهم. وتتجلى تلك الالتزامات في قواعد الإيكاو القياسية وموادها الإرشادية. وهذا التعاون نفسه يُوجّه الآن نحو التهديدات الجديدة والبارزة، وفي مقدمتها استخدام الإرهابيين لنُظُم الطائرات غير المأهولة.
ويجب أن ندرك بوضوح أنه لا بد من المواظبة على المراجعة والاستعراض بوتيرة ثابتة في ظل التطور السريع للتهديدات.
ويُعد الأمن الإلكتروني والتهديدات الداخلية وإساءة استخدام نُظُم الطائرات غير المأهولة من بين العوامل المتغيرة التي تطرح تحديات تنظيمية وتشغيلية جديدة، وإن لم تكن الوحيدة. وبالتوازي مع ذلك، فإن حالات التشويش على الملاحة وانتهاكات سلاسل الإمداد والمخاطر التي يتعرض لها الطيران المدني جراء مناطق النزاع تتطلب استجابات مرنة، شأنها شأن أنواع الاضطرابات الأخرى.
كما يتعين علينا أن ندرك أن الدول ليست جميعها قادرة على الامتثال للقواعد القياسية الدولية. وهذا من شأنه أن يؤثر على الجميع، لأن وجود ثغرات في دولة ما قد تفضي إلى تداعيات متتالية في جميع أنحاء المنظومة. ويتطلب تحسين القدرات استثماراً مستمراً في التدريب والخبرة والتكنولوجيا، فضلاً عن الرقابة المستقلة. ولهذا السبب تجري الإيكاو عمليات تدقيق إلزامية لدولها الأعضاء، مع تقديم الدعم لبناء القدرات من أجل حل المشكلات. كما أننا نظل ملتزمين التزاماً تاماً بالإصلاح المستمر والقائم على الأدلة، بما في ذلك إلغاء القواعد التي باتت قديمةً.
ويستند الإطار الأمني الحالي إلى سنوات من التعديلات التي أجرتها مختلف الأطراف، وهو لا يزال قيد التطوير. وعلى الرغم من التقدم الكبير جداً الذي أحرزناه، يجب أن يستمر هذا الإطار في التطور في إطار سعينا الحثيث لمنع وقوع خسائر في الأرواح.
وتؤمن الإيكاو إيماناً راسخاً بأن هذا الطموح قابل للتحقيق. وحتى مع استمرار الزيادة في أعداد الرحلات الجوية والركاب بوتيرة مذهلة، فإن أمن الطيران آخذ في التحسن في جميع أنحاء العالم. ولهذا السبب، تتوخى رؤيتنا الاستراتيجية لعام 0502 –
أي على امتداد السنوات الخمس والعشرين المقبلة في الطيران – توفير النقل الجوي للجميع، مع السعي إلى خفض الوفيات وصافي انبعاثات الكربون إلى الصفر.
كذلك فإن إنهاء وقوع وفيات بسبب أعمال التدخل غير المشروعة في الطيران المدني يستلزم التعاون المستمر والقوي بين الحكومات وهيئاتها، وقادة الأعمال في جميع أنحاء صناعة النقل الجوي والقطاعات المرتبطة بها، ومن خلال منظومة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، ومنها الإيكاو.
وسيكون تحقيق هذا الهدف أعلى تكريم يمكننا تقديمه لضحايا أحداث 11 سبتمبر وجميع الهجمات التي استهدفت الطيران المدني في كافة أنحاء العالم